Uncategorized

لبنان يطارد التعافي.. الأرقام تعيد الاقتصاد إلى نقطة الأزمة

لبنان يطارد التعافي.. الأرقام تعيد الاقتصاد إلى نقطة الأزمة، بعدما توقع صندوق النقد الدولي في تقريره الأخير حول آفاق الاقتصاد الإقليمي انكماش النشاط الاقتصادي بشكل كبير في 2026، تحت ضغط استمرار الصراع في المنطقة والتوترات الأمنية، وما خلفته من أضرار واسعة في البنية التحتية وتدهور ظروف المعيشة.

أبرز ما جاء في تحول الاقتصاد اللبناني من التعافي إلى الأزمة
  • نمو 2025: تسجيل 4.2% نمو مدفوعًا بتحويلات المغتربين والسياحة والاستهلاك.
  • انكماش 2026: توقعات البنك الدولي بانكماش 6.4% بفارق 10.6 نقطة مئوية في عام واحد.
  • القطاع المصرفي: تراجع الودائع إلى 85.2 مليار دولار وفجوة خسائر تبلغ 72 مليار دولار.
  • التضخم: ارتفاع متوقع إلى 17.5% مع استقرار سعر الصرف عند نحو 90 ألف ليرة للدولار.
  • المالية العامة: فائض 3.9% من الناتج المحلي وموازنة 2026 عند نحو 6 مليارات دولار.

ويأتي هذا الانكماش بعد عام واحد فقط من تسجيل الاقتصاد نموًا بنسبة 4.2% في 2025، وهو أعلى معدل نمو منذ انهيار 2019، في تحول بدا في ظاهره كأنه بداية لمسار تعافٍ بعد سنوات من الأزمة الاقتصادية والمالية.

لكن الأرقام تكشف مسارًا أكثر تعقيدًا، فالنمو الذي تحقق في 2025 اعتمد بدرجة كبيرة على الاستهلاك المدعوم بتحويلات المغتربين، وانتعاش السياحة جزئيًا، إلى جانب نشاط محدود في العقارات والبناء، بينما ظلت الإصلاحات الهيكلية في القطاع المصرفي وإدارة الدين العام دون حسم.

ومع تصاعد التوترات في 2026، تعرضت محركات النمو لضربة جديدة، ليتحول الاقتصاد من نمو 4.2% إلى انكماش متوقع بـ6.4%، وفق البنك الدولي، في انعكاس لحجم الصدمة التي تعرض لها النشاط الاقتصادي. ويجدر التمييز هنا بين مصدرين مختلفين للأرقام: صندوق النقد الدولي يتحدث عن “انكماش ملحوظ” دون رقم دقيق في تقريره الإقليمي، بينما يقدم البنك الدولي في تقريره عن آفاق الاقتصاد اللبناني رقمًا محددًا عند4%، وهو الرقم المعتمد في هذا التحليل. ويمكن متابعة تقرير البنك الدولي حول آفاق الاقتصاد اللبناني، إلى جانب بيانات صندوق النقد الدولي المتعلقة بلبنان.

2025.. نمو بأكثر من 4% بعد سنوات الانهيار

سجل الاقتصاد اللبناني نموًا بنسبة 4.2% خلال 2025، ليكون بذلك أعلى معدل نمو منذ انهيار 2019، مدفوعًا بتحسن نسبي في الاستهلاك والسياحة وتحويلات اللبنانيين في الخارج.

وساعدت تحويلات المغتربين في دعم الإنفاق المحلي، بينما استعاد القطاع السياحي جزءًا من نشاطه، إلى جانب تحسن محدود في العقارات والبناء.

لكن هذا النمو لم يترافق مع عودة كاملة لدورة الائتمان المصرفي أو معالجة نهائية للخسائر المتراكمة في القطاع المالي، ما أبقى الاقتصاد معتمدًا على محركات خارجية أكثر من اعتماده على توسع مستدام في الإنتاج والاستثمار.

وبالتالي، لم يكن معدل النمو البالغ 4.2% كافيًا وحده لإغلاق ملفات الأزمة التي بدأت منذ 2019، وإنما جاء في اقتصاد لا تزال مؤشرات القطاع المصرفي والمالية العامة فيه تحت ضغط كبير.

العملة اللبنانية وتراجع النشاط السياحي
توقف النشاط السياحي في لبنان بسبب الحرب

2026.. انكماش يمحو مكاسب عام كامل

مع دخول 2026، تغير المشهد الاقتصادي بصورة حادة، بعدما أدت التطورات الأمنية والعسكرية إلى تعطيل قطاعات رئيسية، وعلى رأسها السياحة، فضلًا عن الأضرار التي لحقت بالمساكن والبنية التحتية.

وأدت التطورات العسكرية التي بدأت في 2 آذار إلى تشريد نحو 1.2 مليون شخص، في وقت تعرضت فيه البنية التحتية والمساكن لأضرار جديدة، ما رفع تقديرات تكاليف إعادة الإعمار إلى مستويات غير مسبوقة منذ 2006.

وفي ظل هذه التطورات، توقع البنك الدولي انكماش الاقتصاد اللبناني بنسبة 6.4% خلال 2026، ما يعني انتقال معدل النمو من +4.2% في 2025 إلى4% في 2026، بفارق يبلغ 10.6 نقطة مئوية خلال عام واحد.

ويعكس هذا التحول حجم اعتماد الاقتصاد على قطاعات شديدة الحساسية للأوضاع الأمنية، خصوصًا السياحة والاستهلاك المرتبط بالتدفقات الخارجية، في وقت تحتاج فيه عملية التعافي إلى استثمارات وإصلاحات طويلة الأجل.

السياحة.. أحد أهم محركات النمو تحت الضغط

كانت السياحة أحد أبرز القطاعات التي دعمت النشاط الاقتصادي خلال 2025، إلى جانب تحويلات المغتربين والاستهلاك.

لكن التصعيد العسكري في 2026 أدى إلى توقف النشاط السياحي الذي كان يمثل أحد مصادر النمو والعملة الأجنبية، لتتراجع بذلك إحدى القنوات الرئيسية التي ساعدت الاقتصاد على تسجيل نمو خلال العام السابق.

ويأتي تراجع السياحة في وقت يعتمد فيه الاقتصاد اللبناني بدرجة كبيرة على تدفقات الأموال من الخارج، سواء من خلال السياحة أو تحويلات اللبنانيين العاملين في الخارج. ويضاف إلى ذلك عامل إقليمي غالبًا ما يُغفل في التحليلات: تراجع قدرة المغتربين اللبنانيين في دول الخليج على التحويل، في ظل تباطؤ اقتصادي إقليمي وارتفاع تكاليف المعيشة هناك، ما ينعكس مباشرة على حجم التدفقات النقدية الوافدة إلى لبنان.

ومع تضرر البنية التحتية وتشريد نحو 1.2 مليون شخص، انتقل تأثير الصراع من الضغط على النشاط الاقتصادي إلى زيادة الاحتياجات المالية والإنسانية، ما يرفع تكلفة التعافي وإعادة الإعمار في الوقت نفسه.

المالية العامة.. فائض 3.9% من الناتج

رغم الضغوط الاقتصادية، سجلت الحكومة اللبنانية فائضًا إجماليًا يعادل 3.9% من الناتج المحلي خلال 2025، وفق بيانات وزارة المالية اللبنانية في تقريرها المالي السنوي.

وجاء ذلك بعدما ارتفعت الإيرادات العامة بنسبة 49%، مقابل زيادة النفقات بنسبة 27%، ما سمح بتحقيق فائض مالي رغم استمرار تداعيات الأزمة الاقتصادية.

واستمر تسجيل الفائض خلال الربع الأول من 2026، إذ بلغت الإيرادات العامة نحو 1.6 مليار دولار، بزيادة 44% مقارنة بالفترة نفسها من 2025.

وفي المقابل، بلغت النفقات نحو 1.14 مليار دولار، بزيادة 47%، ليصل الفائض إلى نحو 469 مليون دولار خلال الربع الأول.

6 مليارات دولار.. حجم موازنة لبنان في 2026

وأقر مجلس النواب اللبناني موازنة 2026 على أساس إيرادات ونفقات متوازنة عند نحو 6 مليارات دولار لكل منهما.

وتزيد هذه الأرقام بنحو 21% عن أرقام موازنة 2025، في ظل ارتفاع الاحتياجات المالية للدولة وزيادة الضغوط المرتبطة بالإنفاق العام.

لكن ارتفاع الإيرادات لا يعني بالضرورة اتساع القاعدة الاقتصادية التي تمول الموازنة، إذ جاءت أكثر من 70% من إيرادات الربع الأول من الضريبة على القيمة المضافة والرسوم الجمركية، وهي ضرائب غير مباشرة يتحمل عبئها المستهلك النهائي.

ويضع ذلك المالية العامة أمام اختبار جديد مع ارتفاع الاحتياجات الإنسانية وتكاليف إعادة الإعمار، بالتزامن مع الضغوط لزيادة أجور القطاع العام. ومن أبرز المخاطر غير المحسومة في هذا السياق، النقاش المستمر حول رفع ضريبة القيمة المضافة إلى 12%، وهو إجراء كان مطروحًا ضمن إصلاحات مالية سابقة لكنه لم يُنفذ بعد، ويخشى خبراء اقتصاديون أن يؤدي تطبيقه في هذا التوقيت إلى زيادة الأعباء على المواطن ورفع معدلات التضخم أكثر.

سعر الصرف مستقر.. والتضخم يرتفع

على المستوى النقدي، استقر سعر الصرف عند نحو 90 ألف ليرة للدولار، بدعم من احتياطيات مصرف لبنان وإدارة السيولة.

لكن استقرار سعر الصرف لم يمنع استمرار الضغوط التضخمية، إذ تراجع التضخم إلى 14.6% في 2025، بينما تشير التوقعات إلى ارتفاعه إلى 17.5% خلال 2026.

ويمثل ذلك زيادة قدرها 2.9 نقطة مئوية في معدل التضخم خلال عام واحد، مع تأثر الأسعار باضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الشحن وأسعار النفط، إلى جانب انعكاسات التوترات الإقليمية على حركة التجارة عبر الموانئ والمضائق.

وبالتالي، فإن ثبات سعر الصرف عند نحو 90 ألف ليرة للدولار يأتي بالتوازي مع ارتفاع في تكلفة المعيشة، ما يجعل الاستقرار النقدي منفصلًا عن مستوى القوة الشرائية للأسر.

الودائع تهبط إلى 85.2 مليار دولار

يظل القطاع المصرفي أحد أكثر الملفات تعقيدًا في الاقتصاد اللبناني، مع استمرار تراجع الودائع وتعطل التسليف للقطاع الخاص.

وانخفض إجمالي الودائع المصرفية من نحو 87.2 مليار دولار في نهاية 2025 إلى نحو 85.3 مليار دولار في نهاية مارس 2026، ثم إلى نحو 85.2 مليار دولار في نهاية نيسان.

وبذلك فقدت الودائع نحو ملياري دولار تقريبًا خلال أشهر قليلة، في استمرار لمسار الانكماش المصرفي الذي بدأ مع الأزمة المالية في 2019.

وفي الوقت نفسه، لا يزال التسليف للقطاع الخاص شبه معطل، ما يحد من قدرة المصارف على تمويل الاستثمار والاستهلاك والنشاط الاقتصادي. ويُذكر أن إدارة السيولة وأدوات الدين قصيرة الأجل باتت جزءًا من النقاش الأوسع حول استقرار الأسواق النقدية في المنطقة.

72 مليار دولار.. فجوة الخسائر المصرفية ومصير الودائع

شهد ملف الإصلاح المصرفي خطوات خلال السنوات الأخيرة، من بينها تعديل قانون السرية المصرفية وإقرار قانون إعادة هيكلة القطاع المصرفي في تموز 2025، إلى جانب تعديلات رئيسية أُدخلت عليه بناءً على نصائح صندوق النقد الدولي.

لكن الملف الأكثر حساسية لا يزال مرتبطًا بقانون “الفجوة المالية”، الذي يفترض أن يحدد آلية توزيع الخسائر المتراكمة في النظام المالي.

وتقدر الخسائر بنحو 72 مليار دولار، مع استمرار النقاش حول كيفية توزيعها بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف والمودعين.

والسؤال العملي الأهم بالنسبة للمودع اللبناني: هل سيتحمل جزءًا من هذه الخسائر؟ الجواب يعتمد على ترتيب أولوية المطالبات في قانون الفجوة المالية. فصندوق النقد الدولي يشترط عمليًا أن يتحمل المودعون الكبار والمساهمون في المصارف جزءًا من الخسائر قبل أن تتحمل الدولة العبء الأكبر، وهو ما يثير اعتراضات سياسية وشعبية واسعة. وكلما تأخر حسم هذا الملف، كلما زادت حالة عدم اليقين وتراجعت ثقة المودعين، وهو ما يفسر جزئيًا استمرار انخفاض الودائع حتى في الأشهر التي شهدت هدوءًا نسبيًا.

ويمثل حسم هذه الفجوة نقطة محورية في إعادة هيكلة القطاع المصرفي، خصوصًا مع استمرار انخفاض الودائع وتعطل التسليف للقطاع الخاص.

مقارنة سريعة: مؤشرات الاقتصاد اللبناني 2025 و2026

يوضح الجدول التالي أبرز تحولات المؤشرات الاقتصادية اللبنانية بين العامين، استنادًا إلى بيانات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ووزارة المالية اللبنانية:

المؤشر 2025 2026 (تقديرات) الفارق
معدل النمو الاقتصادي +4.2% 4% 6 نقطة مئوية
معدل التضخم 14.6% 17.5% +2.9 نقطة مئوية
إجمالي الودائع المصرفية 87.2 مليار دولار 85.2 مليار دولار (نيسان) مليار دولار
سعر صرف الدولار نحو 90 ألف ليرة نحو 90 ألف ليرة مستقر
الفائض المالي من الناتج 3.9% مستمر في الربع الأول يحتاج مراقبة

بين فائض مالي وانكماش اقتصادي.. أين يقف لبنان؟

تكشف الأرقام مسارًا متناقضًا للاقتصاد اللبناني في عامي 2025 و2026، فقد سجل الاقتصاد نموًا بنسبة 4.2% في 2025، وحققت المالية العامة فائضًا يعادل 3.9% من الناتج المحلي، بينما استقر سعر الصرف عند نحو 90 ألف ليرة للدولار.

لكن هذه المؤشرات جاءت بالتوازي مع استمرار أزمة القطاع المصرفي وتراجع الودائع إلى نحو 85.2 مليار دولار، وارتفاع التضخم المتوقع إلى 17.5%، ثم تحول النمو إلى انكماش متوقع بنسبة 6.4% خلال 2026.

وبين نمو 4.2% وانكماش 6.4% خلال عام واحد، تتضح كلفة الصدمات التي يتعرض لها اقتصاد لم يستكمل بعد معالجة تداعيات انهيار 2019، فيما يبقى التعافي مرتبطًا بقدرة لبنان على استعادة النشاط الاقتصادي، وإعادة بناء القطاع المصرفي، وحسم ملف الخسائر، وتمويل احتياجات إعادة الإعمار.

ويبقى السؤال المحوري مطروحًا: هل كان نمو 2025 بداية تعافٍ حقيقي أم مجرد ارتداد مؤقت في اقتصاد هش؟ الأرقام تميل إلى الاحتمال الثاني، ما لم تُستكمل الإصلاحات الهيكلية ويُحسم ملف الفجوة المالية، وهو ما يجعل التعافي المستدام رهينًا بقرارات سياسية ومالية لم تُتخذ بعد.

أسئلة شائعة عن الاقتصاد اللبناني 2026

كم تبلغ نسبة انكماش الاقتصاد اللبناني في 2026؟

يتوقع البنك الدولي في تقريره عن آفاق الاقتصاد اللبناني انكماش الاقتصاد بنسبة 6.4% خلال 2026، مقابل نمو 4.2% في 2025، أي بفارق 10.6 نقطة مئوية خلال عام واحد، بينما يكتفي صندوق النقد الدولي بالإشارة إلى “انكماش ملحوظ” دون رقم محدد.

لماذا تحول نمو 2025 إلى انكماش في 2026؟

لأن النمو في 2025 اعتمد على الاستهلاك وتحويلات المغتربين والسياحة، وهي محركات شديدة الحساسية للأوضاع الأمنية، وقد تعرضت لضربة مباشرة مع التصعيد العسكري في 2026 وتشريد نحو 1.2 مليون شخص.

ما حجم الودائع المصرفية في لبنان؟

انخفض إجمالي الودائع المصرفية إلى نحو 85.2 مليار دولار في نهاية نيسان 2026، بعد أن كان نحو 87.2 مليار دولار في نهاية 2025، أي بفقدان يقارب ملياري دولار في أشهر قليلة.

ما هي فجوة الخسائر المصرفية وماذا يعني ذلك للمودعين؟

تقدر الخسائر المتراكمة في النظام المالي بنحو 72 مليار دولار، ولا يزال النقاش مستمرًا حول آلية توزيعها بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف والمودعين. ويشترط صندوق النقد الدولي عمليًا أن يتحمل المودعون الكبار والمساهمون جزءًا من الخسائر، وهو ما لم يُحسم تشريعيًا بعد.

هل استقر سعر صرف الليرة اللبنانية؟

نعم، استقر سعر الصرف عند نحو 90 ألف ليرة للدولار بدعم من احتياطيات مصرف لبنان، لكن ذلك لم يمنع ارتفاع التضخم المتوقع إلى 17.5% في 2026، ما يعني أن الاستقرار النقدي لا يعكس بالضرورة تحسن القدرة الشرائية.

ما تأثير رفع ضريبة القيمة المضافة إلى 12% على المواطن اللبناني؟

لم يُنفذ الإجراء حتى الآن، لكن تطبيقه في هذا التوقيت سيؤدي إلى زيادة مباشرة في أسعار السلع والخدمات، ويرفع الضغط التضخمي على الأسر، خصوصًا مع اعتماد أكثر من 70% من الإيرادات الضريبية على الضريبة على القيمة المضافة والرسوم الجمركية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى